محمد أبو زهرة
2010
زهرة التفاسير
الله تعالى ورسوله ، وعهد الله تعالى أولى بالوفاء ؛ ولأن عقود الناس تستمد قوة الوفاء من أمر الله ، فلا يصح أن تكون على خلافه . فالعقد : معناه في اللغة العربية ضم طرف إلى طرف ، وربطهما ربطا محكما . يقال : عقد الرجل طرفي الحبل أو الحبلين إذا ربط أحدهما بالآخر ، وضده الحل أي فك هذا الربط ، وسمى الإيجاب والقبول عقدا لأنهما يضمان إرادتي المتعاقدين ، ويربطان أحدهما بالآخر . والعقد معناه في استعمال القرآن الارتباط ، والعقود والعهود والمواثيق والمعاهدات والمحالفات والتعهدات والاتفاقات والالتزامات كلها في استعمال القرآن والاصطلاح الشرعي ألفاظ متقاربة المعنى المراد بها الارتباطات ، سواء أكانت ارتباطات بين أفراد أو حكومات أو جماعات ، وسواء أكانت ارتباطات على عمل أو على كف عن عمل . والفروق التي يقررها علماء القانون الدولى لهذه الألفاظ لا تعرف في الاصطلاح الشرعي . والإيفاء بالعقد معناه تنفيذ ما يقتضيه والقيام بما يوجبه وافيا تاما غير منقوص ، والإيفاء بالعقد والوفاء به والتوفية به ألفاظ مترادفة معناها واحد . والمعنى بالإجمال : يا أيها المؤمنون نفذوا ارتباطاتكم ، وقوموا بما تعاقدتم على القيام به وافيا تاما . وقد ذكر سبحانه العقود التي أمر بالإيفاء بها بصيغة العموم ولم يخصصها بنوع لتشمل كل ارتباط يرتبط به المؤمن ، سواء أكان ارتباطه مع ربه أم ارتباطه مع نفسه أم ارتباطه مع فرد آخر ، وسواء أكان ارتباط جماعتهم أو حكومتهم على عمل ، أو كف عن عمل ؛ ولهذا قال المحققون من المفسرين : العقود التي أمر الله المؤمنين أن يوفوا بها تشمل أربعة أنواع : الأول : العقود التي عقدها المؤمن مع ربه بسبب إيمانه . فكل من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد التزم لله بأن يطيعه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وإحلال ما أحله وتحريم ما حرمه . فهذا عقد بين المؤمن وربه . وسبب الالتزام فيه إيمانه . وإلى هذا أشار الله سبحانه بقوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ